الشيخ محمد رشيد رضا
55
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الحسنات للسيئات إنما يكون باذهاب أثرها السيء من النفس وهو الانس بالباطل والشر والرغبة فيه والاستلذاذ به ، واما تكفير اجتناب الكبائر للسيئات فقد بين الغزالي انه يتحقق بالقصد والإرادة فان الاجتناب الذي هو ترك يتحقق عند داعية العمل بعمل النفس وهو الإرادة التي تكفّ النفس عن الفعل الذي حصلت داعيته . ومما أتذكر من أمثلته في ذلك ان من دخل دار رجل أو بستانه بقصد السرقة ثم ذكر اللّه وخافه فكف نفسه عن السرقة وخرج فان هذا الكف عن الكبيرة يكفر من نفسه دخول ملك غيره بدون إذنه لان شعور الايمان الذي تنبه فيه يكون قد غلب شعور الفسق الذي حركه أولا لقصد السرقة ومحاه وأزاله ، وأما من دخل ملك غيره بدون إذنه ولا العلم برضاه وهو لا يقصد الا الاستهانة بحقه فان هذه السيئة تقوي في نفسه اثر الشر وداعية التعدي ولا يكفر ذلك ويمحوه كونه مجتنبا لشرب الخمر مثلا وان اجتنبه بقصد مع حصول داعيته فان كثيرا من الفساق يضرون ببعض المعاصي ويجتنبون غيرها أشد الاجتناب فهل يكون لهذا الاجتناب اثر في تزكية النفس وتطهيرها مما ضريت به وأصرت عليه . بل ولا مما فعلته مرة واحدة ولم تتبعه بالندم والتوبة . ولكن قد تكفر مثل هذا الحسنات التي تصلح النفس في مجموعها . ومن فهم هذا لا يرى اشكالا في الجمع بين الآية وحديث مسلم « الصلوات الخمس مكفرة لما بينها ما اجتنب الكبائر » وان تخبط فيه الكثيرون لكل مرض من الأمراض البدنية دواء خاص يزيله ولا يزيل غيره من الأمراض وأما تقوية البدن كله بالغذاء الموافق والرياضة واستنشاق الهواء النقي والبروز للشمس فإنه يساعد على شفاء كل مرض إذا لم يكثر التعرض لأسبابه . وان أدواء النفس وأدويتها تشبه امراض البدن وأدويتها ، وللّه در أبي حامد حيث ذهب إلى أن الطاعات التي تكفر المعاصي ينبغي أن تكون من جنسها وان لم تكن أمثلته كلها مطابقة لقاعدته ، وحيث لم ينس أن إصلاح النفس بأنواع الطاعات قد يذهب بعض السيئات التي ليست من جنس هذه الطاعات ، للّه دره ما أدق فهمه لحكمة القرآن ، وتطبيقه على فطرة الانسان ، ومن وقف على ما ثبت عند علماء الانسان بعد الغزالي من تعدد مراكز الادراك في الدماغ الذي هو آلة النفس وكون كل